الحمد لله حق حمده ، وصلى الله وسلم عل نبيه وعبده ، وعلى آله وصحبه ووفده ، وبعد ،،، فالحديث عن رمضان ذو شجون ، تتلهف له القلوب ، وتذرف منه العيون ، وتشتاق له النفوس وبذكره تتعلق .
فلرمضان معنا ذكريات ، ولنا فيه موسم للخيرات ، وفي لياليه أنس وتغن بالآيات البينات ، وفي تاريخ الأمة مع رمضان معارك وغزوات وانتصارات .
في رمضان رقاب تعتق ، وأكف تدعو وتتصدق ، وأزهار الإيمان تنمو وتتفتق ، فتبيت نفوس زاكيات ، تتقرب من ربها وتتملق .
وفي رمضان يفوح شذى الجنان ، ويكثر عطاء المنان ، ويعظم الفضل من الرحمن ، فيتنافس المسلمون أيهم إلى الخير أسبق .
ففي ليلة من ليالي رمضان أشرق النور ، وتفتحت الزهور ، ولفت حياء وجهها من ذلك الحدث بقية الشهور ، إذ نزل جبريل بآي الذكر الحكيم ، يهدي البشرية ويسعدها ، ويسمو بها ويزكيها ، واستمتعت أذن الحبيب صلى الله عليه وسلم بأول آيات التنزيل ، بهذه الآيات بدأت حياة المسلمين ، وبها بدأ النصر المبين ، وبها فتحت صفحة الجهاد والعبادة ، وعبقت أرجاء الأرض كلمات الشهادة ، وطويت صفحة الذل والخنوع والبلادة ، ورفعت راية العز والتمكين والسيادة ، فخاب المعرضون ، وخسر الكافرون ، وفاز المحسنون بالحسنى وزيادة .
وقد سئل صلى الله علي وسلم عن صيام يوم الاثنين فقال : ذلك يوم ولدت فيه ، ويم أنزل علي فيه . أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة .
فكان إنزال القرآن الكريم على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر من شهر رمضان أولَ ما أكرمه الله تعالى بنبوته واصطفائه . فهي بداية منة الله على المؤمنين ، والسعيد من قرأ الرسالة ، واتبع الهدى فكان من أوليائه .
وقِف وقفة قصيرة مع أول ما أنزل من الكتاب ، من أوائل سورة العلق ، التي افتتحها المولى جل وعلا آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم ، ومن تبعه بالقراءة ، واختتمها آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم ومن تبعه بالسجود . فقال في أولها : اقرأ باسم ربك الذي خلق ، وقال في خاتمتها : كلا لا تطعه واسجد واقترب . فالقرآن مقوم لاعوجاج القلوب وبانيها ، وزارع شجرة الإيمان فيها وساقيها ، وهو المزيل عنها أدرانها ، وإن كان بها مرض فهو يشفيها ، وتأمل لهذا المعنى قول الحبيب صلى الله عليه وسلم : إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب . رواه الترمذي والدارمي ، وقال الترمذي حديث حسن صحيح . والبيت الخرب تلقى فيه القاذورات ، وتستوطنه الهوام والمنبوذ من الحيوانات ، وتسكنه الشياطين ، وتعشش فيه الحشرات ، وهكذا قلب ليس فيه قرآن ، تملؤه الأهواء والشهوات ، وتعصف به الفتن والشبهات ، فلا جرم أن من تعلم القرآن وعلمه كان من خير هذه الأمة كما صح الخبر عن المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ قال : خيركم من تعلم القرآن وعلمه .
إن مدرسة رمضان ، هي مدرسة القرآن ، وقد وصف خلق نبيكم صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة : كان خلقه القرآن .
والقرآن حين اصطبغت أيام رمضان ولياليه به تنوعت ثمراته ، إذ شرع فيه الصيام تربية للنفس كي تدع عنها شهواتها ، وتقاوم رغباتها ، وتحقق تقواها ، وتراقب مولاها .
ففي الصوم يتجلى صدق المراقبة لله ، وصدق اليقين بموعود الله ، وهذه التربية في هذه الدورة الشرعية العملية ، أياما معدودات ، تكسب المسلم بعد أن يكمل العدة قدرة على المراقبة والمحاسبة لذاته ، وكيف يصدق مع الله ، وكيف يخلص العمل لوجهه جل وعلا .
وبهذا يستلهم المسلم من هذه المراقبة ما يعينه على نهج الخير والفضيلة ، وما يعينه على اجتناب الباطل والرذيلة ، وتمنحه قوة خاصة ، وإرادة صلبة ضد شهوات نفسه وغرائزها وأهوائها ، وتبني في داخله سدا منيعا يحميه من وساوس الشيطان وهمزه ونزغاته .
وكل من ضعفت إرادته فلم يصم ، وتكاسل فلم يقم ، فهو مكبل بالشهوة ، عبد للهوى ، سرعان ما تجره الشياطين إلى منحدر لا يستطيعون منه القيام ، ولا هم ينصرون .
ولما كان القرآن مسيطرا في رمضان ، مهيمنا عليه ، كان الصيام ورمضان صقلا لأخلاق المسلم ، كي يكف نفسه عن رذائل الأخلاق ، غيبة ونميمة ، وزورا وبهتانا ، يتعلم فيه أن يأكل الحلال ، وأن يجتنب الظلم والعدوان ، بل تحفزه لكي يسمو بأخلاقه فوق ذلك كله ، تسمو للعفو والصفح والغفران ، فيقابل من أساء إليه بكظم غيظه ، والتجاوز عنه والإحسان إليه . كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ، ولا يفسق ، ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم . أخرجاه .
وعند البخاري من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه .
وعند الدارمي بإسناد جيد : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر .
وتصديق ذلك في حياتنا بين ظاهر ، فكم من صائم نهارا عن أكل وشراب ، مرخ عنان عينيه يرقب الشاشات ، ويتابع الأفلام والمسلسلات ، مطلق لسانه في غيبة ، ونميمة ، وتشاتم وسِباب ، جامع سوء الخلق من أطرافه ، مفسد صومه معنويا ، ملغ آثاره خلقيا ، وبعيد عن ثمراته تربويا ، فهو مفطر على الحقيقة ، وإن كان صومه صحيحا فقهيا .
فالصيام مرتبط بالقرآن ، والقرآن متمم لمكارم الأخلاق ، مرب للنفوس على الزكاء والطهارة الحسية والمعنوية .
فكأن الصيام يقول للمسلم اقرأ : ولا يغتب بعضكم بعضا . اقرأ : لا يسخر قوم من قوم . اقرأ : واتقوا الله لعلكم تفلحون . اقرأ : ويل للمطففين ، اقرأ : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . وقف مليا واقرأ : وإنك لعلى خلق عظيم .
فغابت عمن صام هذا الصيام غايةُ الصيام ، المبينة في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون .
وليعلم المسلم أن نزول اقرأ باسم ربك الذي خلق ، منبه له لأحقية من خلقه ورباه بنعمه أن يستمع أمره ، ويفهم مراده ، وأن يذل له ويخضع ، فإياك أن تكون ممن يطغى ، أن رآه استغنى ، وإياك أن تكون من أتباع من ينهى عبدا إذا صلى ، فتنهاه ولو بشغله عنها ، أو بما يلهيه عنها ، وتأمل في السياق : ألم يعلم بأن الله يرى ؟ واجعل هذا السؤال بين ناظريك ، تفز بالمعية ، والنصرة والسداد ، فمن راقب الله ، عالما أن الله يراه حقق التقوى ، وبلغ درجة الإحسان ، فإن فعلت فسوف توفق لأن تكون في حضرة مولاك قريبا منه ، وقد أبعد عنه كثير من خلقه أعرضوا عنه فهانوا عليه ، فأبعدهم منه ، ولم يستطع أحدهم أن يذل له ، أو أن يكون أهلا للدخول في عباده ، فاتركهم ، وأعرض عنهم ، ولا تطعهم ، واسجد واقترب .
ألا إن المحروم من حرم في هذا الشهر فلم تزك نفسه ، ولم تعتق رقبته ، ولم يقبل على مولاه ، فلم يقرأ ، ولم يسجد ، ولم يقترب . اللهم وفقنا فيه للصيام والقيام ، يا ذا الجلال والإكرام .